حسن الأمين

54

مستدركات أعيان الشيعة

وفي اليوم التالي أخذ قادة القزلباش يتحدثون إلى أفرادهم عن وقوع حوادث مؤسفة في حدود آذربايجان وديار بكر والعراق ، حيث خرج المشاغبون في هذه المناطق وعاثوا فسادا . وانتشرت هذه الإشاعة بين صفوف القزلباش في وقت قصير ، ثم انتقلت منهم إلى الأوزبك عبر الجواسيس والمنتفعين وأخذت تكبر شيئا فشيئا ، ثم بعث الشاه إسماعيل رسالة إلى محمد خان الشيباني كان مفادها ما يلي : لقد قدمنا إلى خراسان على أمل اللقاء بك كما وعدتنا مرارا ، ولكنك لم تقابلنا وأغلقت بابك دون الضيف ولازمت دارك كالنساء ، والآن فقد اضطرتنا أحداث آذربايجان والعراق إلى العودة ، وإني أوكل الأمر إليك في المستقبل لتلتقي بنا حيثما تشاء . وحمل الرسالة أحد أهالي المنطقة ، ثم طوى القزلباش خيامهم في وضح النهار وحملوها على ظهور إبلهم ثم تحركوا في صفوف منظمة . وحين تحركت قوات القزلباش مغادرة مرو ، عين الشاه فوجا منها للسير وراء القوات وحماية ظهرها ، وكان تعيينه هذا علانية ، ولكنه خصص من هذا الفوج حوالي ثلاثمائة فارس وجعل عليهم أمير بيك موصلو ، وأمره سرا بمواكبة الفوج حتى النهر الذي يتفرع عن نهر ( تجن ) ثم التخلف عنه بمجموعته والتوقف هناك . ثم قال الشاه لأمير بيك : إني واثق أن قوات الأوزبك ستلحق بنا حالما ترى انسحابنا فبادر أنت ومجموعتك إلى الكر والفر على بعد أمامها وعند ما تقترب منكم سارع إلى الفرار والحق بنا لتبلغنا الأمر . وبعد صدور هذه التعليمات توجهت قوات القزلباش إلى محمودآباد فعسكرت بالقرب منها ، فلما خيم الليل بظلمته أمر الشاه بايقاد نار قليلة في المعسكر ، ثم أصدر أوامره إلى أفراد القزلباش بترتيب صفوفهم على شكل نصف دائرة كما يفعلون في ميدان الحرب وسمح لهم بالنوم مع البقاء على أهبة الاستعداد ، وأوصى بتثبيت مشاعل جاهزة للاشتعال في نصف دائرة وإشعالها حالما يصدر صوت خاص . ويذكر المؤرخون أن عدد قوات القزلباش آنذاك يتراوح بين 25 و 30 ألف شخص بما فيهم الخدم والحمالون . وحين وصلت محمد خان رسالة الشاه إسماعيل وشاهد بعينه انسحاب القزلباش التفت إلى حاشيته قائلا : « إنها فرصة ثمينة هياها لنا حسن حظنا ، فلا بد أن يكون الشاه الشاب والمغرور يعيش الآن النشوة فينصرف إلى اللهو والمتع هذه الليلة فإذا بادرنا إليه وأخذنا قواته على حين غرة أهلكناه وشتتنا قواته » . وهكذا كان محمد خان يرى لزاما عليه أن يغسل العار الذي لحق به بمهاجمته لقوات القزلباش ومن ثم جمع قواته المتواجدة في المدينة ويبلغ تعدادها ثلاثين ألف فارس وخرج بها من المدينة ليلا فعبر نهر محمودآباد ، فاخذ أمير بيك موصلو يكر ويفر حتى إذا هجمت عليه قوات الأوزبك أسرع بجماعته هاربا أمامهم . وتجدر الإشارة هنا إلى أن صاحب ( روضة الصفا ) وعدد من مؤرخي ذلك العصر يذكرون بان ثلة من حملة المعاول والرفوش قد أخفوا أنفسهم على ضفاف نهر محمودآباد بأمر من الشاه إسماعيل لتدمير الجسر الممتد على هذا النهر بمجرد عبور آخر مجموعة من الفرسان الأوزبك . وهكذا عبر الأوزبك النهر وتعقبوا أمير بيك وفرسانه الهاربين وفجاة وجدوا أنفسهم بين نصف دائرة من صفوف القزلباش المستعدين للقتال ، حيث كان أمير بيك قد أعلمهم من قبل وحينئذ نفخ بوق خاص فأضرمت النار في المشاعل المثبتة حول المعسكر وتحول الليل إلى نهار ، وأدرك شيبك خان حينها أنه خدع واستدرج إلى المصيدة فلم ير بدا من الاشتباك مع العدو ، وكان الوقت سحرا فاستمر الأوزبك يقاتلون لثلاث ساعات حتى مرت ساعة على طلوع الشمس فلم يطيقوا الصمود أكثر وأطلقوا الأعنة لخيولهم مدبرين ، فلما بلغوا الجسر وجدوه محطما ، فاتجهوا نحو بستان كان محمد خان قد بناه حديثا في تلك المنطقة ، وكان المدخل إلى هذا البستان عبارة عن دهليز يبلغ طوله ثلاثين مترا فتدافع الجنود للدخول واشتد زحامهم فهلك بعضهم تحت حوافر الخيول ، وأدركهم القزلباش فضربوا حول البستان حصارا شديدا ثم أفلحوا في هدم جدار البستان واقتحموه فقتلوا من حاول المقاومة وأسروا من استسلم منهم ولكنهم لم يجدوا لمحمد خان أثرا ، ويذكر السيد رضى التبريزي في كتابه أن شخصا من أبطال القزلباش يدعى عزيز آقا استطاع في آخر الأمر العثور على جسد محمد خان بين أكداس القتلى فقطع رأسه وقدمه إلى الشاه إسماعيل فلما شاهده الشاه أطرق برأسه ثم توجه بالحمد والثناء للباري تعالى على تمكينه من خصمه اللدود وكان مقتل محمد خان في يوم الجمعة ، آخر شهر شعبان عام 916 للهجرة . أوضاع هرات وخراسان بعد اندحار الأوزبك بعد أن أحرز القزلباش انتصارهم الكبير على الأوزبك ، أمر الكتاب بكتابة رسالة الفتح بأسلوب أدبي بليغ إلى كل مكان ووجهت رسالة إلى هرات ، حملها أحد المقربين إلى الأمير نجم الثاني ويدعى قلي جان بيك . وبلغ أهالي هرات خبر اقتراب موكب قلي جان بيك من مدينتهم ، فبادر العلماء وكبار القوم مثل : شيخ الإسلام أحمد التفتازاني والأمير نظم الدين عبد القادر الشهندي والسيد غياث الدين محمدپور أمير جلال الدين يوسف الرازي والقاضي صدر